“اختراق” ويكيبيديا يعيد تسليط الضوء على الواقع المظلم لحرية الإنترنت في السعودية

“اختراق” ويكيبيديا يعيد تسليط الضوء على الواقع المظلم لحرية الإنترنت في السعودية
استمع إلى المقال

في الخامس من كانون الثاني/يناير 2023، قال ناشطون إن الحكومة السعودية قد اخترقت أعلى الرتب في “ويكيبيديا” من أجل السيطرة على المعلومات المتعلقة بالبلاد، وأدى هذا الاختراق المزعوم إلى اعتقال اثنين من مسؤولي ويكيبيديا في المملكة العربية السعودية عام 2020، وهما زياد السفياني الذي حُكم عليه بالسجن لمدة تصل إلى 8 أعوام، وأسامة خالد الذي حُكم عليه بالسجن لمدة تصل إلى 32 عاما، بتهمة “تغيير الرأي العام” و “انتهاك الأخلاق العامة” من خلال نشر محتوى” يُعتبر انتقادا لاضطهاد النشطاء السياسيين في البلاد”.

وكلاء يتبنون الخطاب الحكومي

تأتي هذه التصريحات في أعقاب تحقيق أجرته مؤسسة “ويكيميديا”، الشركة المالكة للموسوعة الشهيرة، الشهر الماضي أسفر عن حظر 16 مستخدما “بسبب تضارب المصالح مع مشاريع ويكيبيديا” في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وقالت “ويكيميديا” حينها: 

“تمكنا من التأكيد على أن عددا من المستخدمين الذين تربطهم صلات وثيقة بأطراف خارجية كانوا يقومون بتحرير المنصة بطريقة منسقة لتعزيز أهداف تلك الأطراف”.

بيان “ويكيميديا”

وفقا لبيان مشترك صادر عن مجموعة “الحقوق الديمقراطية للعالم العربي الآن” ومقرها الولايات المتحدة ومنظمة “سميكس” للحقوق الرقمية ومقرها بيروت، أكدت مصادر مقربة من ويكيبيديا ومقابلات مع محرريها المسجونين أن هذه “الأطراف الخارجية” التي ذكرتها “ويكيميديا” كانت “عملاء حكوميين يعملون بصفة مستقلة كمحررين”. وزعم النشطاء أن هؤلاء العملاء الحكوميين عملوا كجواسيس للسلطات السعودية، وهم من حددوا أولئك المدراء الذين سُجنوا على خلفية تحريرهم محتويات على “ويكيبيديا” لتضمين معلومات لم يوافق عليها المسؤولون السعوديون.

سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لمجموعة “الحقوق الديمقراطية للعالم العربي الآن” قالت في بيان، “من غير المسؤول أن تفترض المنظمات والشركات الدولية أن الشركات التابعة لها يمكن أن تعمل بشكل مستقل أو بأمان بمعزل عن سيطرة الحكومة السعودية”.

لم ترد مجموعة “الحقوق الديمقراطية للعالم العربي الآن” ولا “سميكس” على طلبات “إكسڤار” للتعليق حتى الآن، كما لم تجب “ويكيميديا” على سؤال “إكسڤار” حول المستخدمين الـ 16 الذين حُظروا واحتياطات السلامة التي سيتخذونها لتجنب المزيد من تعريض محرري “ويكيبيديا” للخطر في الدول الشمولية، وماذا ستفعل حيال تأثر مصداقيتها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالمعلومات المحررة في أو حول هذه البلدان.

لكن “ويكيميديا” أصدرت بيانا أوضحت فيه مواضع “عدم الدقة” في بيان المنظمات الحقوقية، وقالت إن هناك “أخطاء مادية في البيان الصادر عن “الحقوق الديمقراطية للعالم العربي الآن” و”سميكس”، بحسب تقرير لصحيفة “الغارديان”.

“لم يكن هناك أي نتيجة في تحقيقنا بأن الحكومة السعودية اخترقت أعلى الرتب في ويكيبيديا، وفي الواقع لا توجد رتب بين مشرفي ويكيبيديا. كما لم ترد إشارة إلى تصرف السعوديين تحت تأثير الحكومة السعودية في تحقيقنا. في حين أننا لا نعرف أين يقيم هؤلاء المتطوعون بالفعل، فإن حظر أي متطوع ربما يكون سعوديا كان جزءا من إجراء أوسع نطاقا عالميا يحظر 16 محررا عبر منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”.

نشطاء ادعوا أن بيان “ويكيميديا” كان منقوصا من التفاصيل، زاعمين أن المصادر أكدت لهم أن الحظر كان ضد 16 مستخدما سعوديا، وهم فريق التحرير الأعلى تصنيفا في “ويكيميديا” في المنطقة، وذلك بعد اكتشاف إدارة الموسوعة أنهم يعملون كوكلاء للحكومة السعودية، لترويج محتوى إيجابي عن الحكومة وحذف المحتوى الذي ينتقد الحكومة، بما في ذلك المعلومات المتعلقة بالسجناء السياسيين في البلاد.

النشطاء قالوا إن استجابة “ويكيميديا” لم تكن كافية، كما حثوا المؤسسة على نشر نتائج تحقيقها علنا، بما في ذلك الكشف عن جميع الصفحات التي حررها الفريق المقيم في السعودية وإخضاعها لمراجعة وتحليل مستقلين. يقولون أيضا إن “ويكيميديا” يجب أن تضع علامات تحذير على الصفحات التي قد يتعرض المسؤولون فيها لخطر الملاحقة القضائية من قبل الأنظمة الاستبدادية ومراجعة اعتمادها على المسؤولين في البلدان التي تكون فيها حرية التعبير محدودة والكتابة المستقلة مقيدة.

كما طلبت المجموعات الناشطة من المسؤولين السعوديين الكشف عن جهودهم للتأثير والسيطرة على المحتوى على “ويكيبيديا”، بما في ذلك مدى الضغط أو مكافأة المسؤولين في السعودية لإنتاج المحتوى، وطلبوا من السلطات السعودية إطلاق سراح أولئك الذين حوكموا أو حُكم عليهم لدورهم في نشر محتوى في “ويكيبيديا”.

“ويكيميديا” قالت في كانون الأول/ديسمبر 2022 إنها ستستكشف طرقا مختلفة للحفاظ على سلامة الجميع وحرية المشاركة في مشاريعها، ووعدت بالعمل مع مجتمعاتها لإيجاد عملية عالمية للتغلب على تحديات السلامة التي تسمح بالتعامل مع مثل هذه المواقف بشفافية قدر الإمكان مع إعطاء الأولوية أيضا لتجنب المخاطر على سلامة مستخدميها.

قد يهمك: السعودية بين تشديد الرقابة والإعلانات “المسيئة”

أحكام مروعة

في عام 2014، وصفت مجموعة الدفاع عن الصحافة الحرة، “مراسلون بلا حدود”، تصرفات حكومة المملكة العربية السعودية بأنها لا هوادة فيها في رقابتها على وسائل الإعلام السعودية والإنترنت. منذ ذلك الوقت، اتخذت الحكومة السعودية خطوات كبيرة نحو زيادة الحقوق المدنية داخل المملكة، والحد من قوانين ولاية الرجل المقيدة، و إعطاء المرأة الحق في القيادة. لكن على الرغم من هذه الإجراءات الإيجابية، ظلت قيود حرية التعبير لمستخدمي الإنترنت على حالها، وربما ازدادت سوءا.

بعد مقتل الصحفي جمال خاشقجي الذي كان يكتب في صحيفة “واشنطن بوست” في القنصلية السعودية بإسطنبول، تضاعف عدد المواقع الإلكترونية الخاضعة للرقابة في السعودية تقريبا. إذ تم فجأة حظر خدمات الأخبار الأجنبية مثل “فوكس نيوز” و”نيويورك تايمز” و”لوس أنجليس تايمز”، وكذلك الخدمات الإخبارية المحلية التي تقدم محتواها باللغة الإنجليزية، مثل “أراب نيوز”.

الأحكام التي أصدرتها السعودية خلال السنة الماضية، سواء بحق امرأتين، أو رجل يبلغ من العمر 72 عاما، والتي امتدت للسجن لمدة عقود لاستخدامهم “تويتر”، صدمت العالم، وتمثل أحكام السجن المفروضة على النساء خصوصا تصعيدا كبيرا للحملة على الخطاب عبر الإنترنت من قبل حكام البلاد، وألقت مزيدا من الضوء على أنشطة المحكمة الجزائية المتخصصة في المملكة العربية السعودية.

المحكمة الجزائية المتخصصة تم إنشاؤها في عام 2008، والغرض منها كان التعامل مع محاكمة الأشخاص المتورطين في الهجمات الإرهابية في البلاد المرتبطة بالقاعدة. ومع ذلك، في أعقاب احتجاجات 2011-2012 التي أشعلت المنطقة، بدأت أيضا في التعامل مع قضايا النشطاء السلميين الذين اختلفت وجهات نظرهم عن آراء حكام البلاد.

في عام 2016، أعربت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب عن مخاوفها من أن قانون العقوبات لعام 2014 الخاص بجرائم الإرهاب وتمويله قد وسع تعريف الإرهاب ليشمل تجريم أفعال التعبير السلمي عن الرأي عبر الإنترنت الذي أصبح “يعرض الوحدة الوطنية للخطر” أو “يقوض سمعة أو موقف الدولة”، لكن تم تعديل التشريع في عام 2017.

الأمر الأكثر إثارة للقلق هو استخدام المحكمة الجنائية المتخصصة لمحاكمة القضايا المتعلقة بقوانين مكافحة الجرائم الإلكترونية في السعودية، والتي تتضمن جريمة “إنتاج أو إعداد أو نقل أو تخزين مواد تمس بالنظام العام أو القيم الدينية أو الآداب العامة أو الخصوصية، من خلال شبكة معلومات أو جهاز كمبيوتر”.

المحكمة الجزائية المتخصصة تحاكم القضايا بموجب تشريعات الجرائم الإلكترونية في البلاد  بشكل روتيني، وتشكل القضايا الأخيرة ضد مستخدمي تويتر ومغردين ليسوا ذو تأثير واسع مصدر قلق خاص.

في نهاية آب/أغسطس 2022، أدانت المحكمة الجزائية المتخصصة نورة بنت سعيد القحطاني بتهمة “استخدام الإنترنت لتمزيق النسيج الاجتماعي السعودي” و”انتهاك النظام العام” عبر وسائل التواصل الاجتماعي” وحُكم عليها بالسجن 45 عاما.

أما في أيلول/سبتمبر من نفس العام، حكم على سلمى الشهاب بالسجن 34 عاما وحظر سفر لاحق بنفس المدة لاستخدامها تويتر لدعم المدافعين عن حقوق الإنسان في وطنها المملكة العربية السعودية أثناء دراستها في جامعة ليدز البريطانية، رغم أنها نشرت بعض تغريداتها عندما كانت خارج البلاد.

بعدها بشهر، في تشرين الأول/أكتوبر، حكم على سعد ابراهيم الماضي، السعودي الذي يحمل الجنسية الأميركية، بالسجن لمدة 16 عاما وحظر السفر لمدة مماثلة بسبب تغريدات انتقد فيها هدم أجزاء من الأحياء القديمة في جدة ومكة، وأعرب عن قلقه بسبب الفقر في المملكة، وأشار إلى قصة الصحفي السعودي المقتول جمال خاشقجي.

إن طول الأحكام هو ما يروع الحقوقيين والمنظمات العالمية بشكل خاص، بالنظر إلى أن قوانين الإرهاب في البلاد تقترح عقوبة قصوى تصل إلى 30 عاما لأنشطة مثل توريد المتفجرات أو اختطاف طائرة.

كيف تحكم الدولة سيطرتها؟

السعودية تفرض رقابتها على الإنترنت عبر ثلاثة نطاقات، حجب المواقع، ومحاكمة الأشخاص المعنيين، وخنق اتصالات الإنترنت. نظرا لأن الحكومة تمتلك معظم مزودي خدمة الإنترنت العاملين في البلاد، فمن السهل عليهم وضع هذه القيود في مكانها الصحيح.

الحجب والتصفية

هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات تقوم بتصفية الإنترنت وإدراج المواقع التي تعتبر “ضارة” أو “غير قانونية” أو “معادية للإسلام” أو “مسيئة” في القائمة السوداء. ثم يجب على مزودي خدمة الإنترنت في المملكة، المملوكين من الدولة كذلك، حجب جميع تلك المواقع المحظورة، وقد يؤدي عدم القيام بذلك إلى غرامة تصل إلى 1.33 مليون دولار، وفقا لـ “المادة 38” من قانون الاتصالات.

أيضا تتم مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي وتنظيمها، حيث تصدر الحكومة باستمرار طلبات إزالة المحتوى إلى “فيسبوك” و”تويتر” و”جوجل”، وتستدعي من ينشره.

في عام 2017، تم تداول رسالة عبر مجموعات “واتساب” السعودية المحلية تهدد أولئك الذين ينتقدون الحكومة السعودية على المنصة بالسجن لمدة عام واحد وغرامة قدرها 133 ألف دولار. ظهرت الرسالة أيضا في الصحف المملوكة للدولة جنبا إلى جنب مع اقتباسات من محامين بدا أنهم يؤكدون أساسها القانوني.

اللوائح

في عام 2007، أدخلت الحكومة السعودية قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية؛ وقد يواجه أي شخص يُقبض عليه وهو ينتهك هذا القانون المصاغ بصيغة غامضة وفضفاضة عقوبة السجن لمدة خمس سنوات وغرامة قدرها 800 ألف دولار.

عرّف قانون مكافحة الإرهاب الأحدث الصادر في 2014 النشاط الإرهابي بعبارات فضفاضة كذلك مثل “إهانة سمعة الدولة” أو “الإضرار بالنظام العام” أو “زعزعة أمن الدولة”. كما تُعرِّف “المادة 1” من قانون مكافحة الإرهاب لعام 2014 أيضا “الدعوة إلى الفكر الإلحادي كشكل من أشكال الإرهاب”.

باستخدام قوانين غامضة الصياغة وفرض عقوبات قاسية، فإن الحكومة السعودية قادرة على تجريم ومراقبة مجموعة واسعة من الخطاب والمحتوى السياسي والديني والاجتماعي.

إن اختراق “ويكيبيديا” للسيطرة على محتواها، بالإضافة إلى هذه الأمثلة، هي الأحدث في سلسلة طويلة من القضايا التي تنطوي على انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان في السعودية. كما اتُهمت المحكمة الجزائية المتخصصة بالإبقاء على المعتقلين بمعزل عن العالم الخارجي وحرمانهم من الاتصال بمحامين قبل محاكمتهم، كما أنها متهمة بالتواطؤ في استخدام التعذيب أو المعاملة السيئة للمحتجزين للحصول على اعترافات.

قد يهمك: بين “هواوي” وأميركا.. لماذا تلعب السعودية على الحبلين في توريد المعدات التقنية؟

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.